تجد مصر نفسها أمام معادلة استراتيجية دقيقة مع احتدام المنافسة بين الصين والولايات المتحدة على تطوير مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، بحسب ياسمين الطحان، التي ترصد كيف تحولت القاهرة إلى ساحة محتملة للتنافس بين القوتين العظميين، في وقت تسعى فيه مصر إلى الحفاظ على توازن علاقاتها مع بكين وواشنطن.


وبحسب الجزيرة، جاءت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، التي استمرت ثلاثة أيام وتزامنت مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، لتكون أول زيارة له إلى الشرق الأوسط منذ أربعة أعوام وإلى مصر منذ عقد. وأثارت الزيارة نقاشًا واسعًا بين مراقبي الجغرافيا السياسية حول سياسة مصر في موازنة علاقاتها بين الصين، إحدى أكبر شركائها الاقتصاديين، والولايات المتحدة، شريكها الرئيسي في مجالي الدفاع والاستراتيجية.


لكن مصر تواجه اختبارًا آخر في موازنة علاقاتها مع القوتين؛ إذ تبرز كأحد المواقع المحتملة للمنافسة في سباق الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين.


وجاءت زيارة شي في وقت قدمت فيه شركة التكنولوجيا الصينية العملاقة هواوي عرضًا لإنشاء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي في مصر، بينما تسعى الولايات المتحدة، بحسب تقارير، إلى إعداد عرض منافس لمواجهة عرض هواوي. وستمنح الجهة التي تفوز بعقد إنشاء مراكز البيانات فرصة لتعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية مع القاهرة.


وتتلقى مصر نحو 1.3 مليار دولار سنويًا من المساعدات العسكرية الأمريكية، ولا تزال شريكًا دفاعيًا رئيسيًا لواشنطن، لكنها في الوقت نفسه عمقت تدريجيًا علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع الصين خلال السنوات الأخيرة.


فماذا تعني هذه التطورات بالنسبة إلى علاقات مصر بالولايات المتحدة والصين؟ ومن المستفيد من إنشاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في مصر؟


هل تستخدم الصين مصر للتقدم في سباق الذكاء الاصطناعي؟

 


عرضت هواوي توريد «1408 معالجات Ascend 950 لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب 600 شريحة Ascend 950 أو شرائح 910B الأقدم»، بهدف إنشاء مجموعتين للحوسبة.


واقترحت الشركة تنفيذ المشروع خلال 12 شهرًا، وإذا مضى الاتفاق قدمًا، فسيشكل ذلك أول عملية تصدير معروفة لمعالجات Ascend الخاصة بالذكاء الاصطناعي من هواوي، وفقًا لوثائق اطلعت عليها وكالة بلومبرج.

 

وستُستخدم البنية التحتية التي ستضم شرائح الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية والمراقبة وغيرها من أنشطة القطاع العام، بحسب الوكالة.


ونقلت بلومبرج عن مصادر لم تكشف هويتها أن وزارة الخارجية الأمريكية تعمل على عرض منافس لعرض هواوي، من خلال شركات تشمل Nvidia وAdvanced Micro Devices Inc وMicrosoft Corp.


وتتصدر الصين والولايات المتحدة عالميًا مجال تطوير الذكاء الاصطناعي والاستثمار فيه، لكن الفجوة بين أكبر اقتصادين في العالم تتقلص بسرعة.

 

وعلى مستوى الإنفاق وحده، لا تزال الولايات المتحدة متقدمة بفارق كبير، إذ ضخت الشركات الأمريكية 285.9 مليار دولار في الاستثمارات الخاصة بالذكاء الاصطناعي خلال 2025، مقابل 12.4 مليار دولار في الصين، وفق تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026 الصادر عن جامعة ستانفورد.


وتواصلت الجزيرة مع هواوي للحصول على تعليق، لكنها لم تتلق ردًا.


وقال محمد رمضان، المدافع عن حقوق الإنسان في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (EIPR)، للجزيرة: «تتنافس الولايات المتحدة والصين عالميًا على مراكز البيانات»، مضيفًا أن «مسألة مراكز البيانات ذات أهمية جيوسياسية بالغة».


وأوضح أن «هذا التنافس يدور أساسًا حول البيانات والقدرة على دمج بيانات من مناطق مختلفة حول العالم، وهو في جوهره معركة حول مستقبل ما».


ويرى رمضان أن الصين قد تتمتع بميزة على الولايات المتحدة في مصر، لأن «هواوي موجودة في مصر منذ سنوات»، بعد أن وقعت الشركة اتفاقات عديدة مع الحكومة المصرية لتوريد معدات الاتصالات. وأضاف أن «الصينيين غالبًا ما يتمتعون بميزة تتمثل في انخفاض تكلفتهم مقارنة بالشركات الأمريكية».


من المستفيد من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي؟

 


بيئيًا، تواجه مصر وضعًا صعبًا بسبب شح المياه وتلوث الهواء. فقد انخفض نصيب الفرد من المياه في البلاد إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًا، أي أقل من نصف حد الفقر المائي الذي تحدده الأمم المتحدة، وفق بيانات حكومية مصرية.
 

وتستهلك مراكز البيانات كميات ضخمة من المياه والطاقة، لأن عمليات المعالجة عالية القدرة تتطلب تبريدًا كبيرًا. كما تصنف العاصمة المصرية بين أكثر المدن تلوثًا في العالم، ما يثير تساؤلات حول احتمال زيادة مركز بيانات للذكاء الاصطناعي حدة هذه المشكلة.


وقال المحلل السياسي المصري ماجد مندور للجزيرة إنه رغم بروز مشكلة شح المياه باعتبارها قضية رئيسية، فمن المرجح أن توفر الحكومة للمشروع «المياه التي يحتاج إليها، والطاقة التي يتطلبها، بينما تحرم أجزاء أخرى من البلاد من الموارد اللازمة».


وأضاف أن الصفقة ستكون «صفقة لتصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي»، ولن تعود بالضرورة بفائدة كبيرة على الاقتصاد المصري.


وقال: «أعتقد أنه من غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى توفير فرص عمل مستدامة... ربما يخلق بعض الوظائف، لكنه عمومًا ليس مشروعًا قادرًا على إحداث تحول اقتصادي طويل الأمد في بلد كبير مثل مصر».


لماذا اختارت الصين مصر لإنشاء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي؟

 


تكمن الإجابة في موقع مصر الجغرافي. فالقاهرة تسيطر على قناة السويس، وتقع مصر عند ملتقى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، ما يجعلها سوقًا كبيرة للشركات الصينية، فضلًا عن كونها مركزًا محتملًا للتصنيع والخدمات اللوجستية للوصول إلى الأسواق المحيطة بها.


وفي ظل الصراعات الإقليمية التي أججتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية المستمرة منذ ستة أشهر على إيران، وما رافقها من إغلاق جزئي وقيود على حركة الملاحة في مضيق هرمز الحيوي، ازدادت الأهمية الاستراتيجية لقناة السويس.


وباتت القناة خيارًا واضحًا للمسارات البديلة للشحن، إذ يتيح المرور عبرها تجاوز مضيقي هرمز وباب المندب، بما يسمح للشحنات بتجنب المخاطر المحتملة التي قد تواجهها هناك.


وتعد الصين أكبر شريك تجاري لمصر في السلع غير البترولية، إذ اقترب حجم التجارة الثنائية من 20.7 مليار دولار بنهاية 2025، وفقًا لهيئة الاستعلامات المصرية.


كما تمثل مصر شريكًا اقتصاديًا مهمًا للصين. واستوردت الدولة الواقعة في شمال أفريقيا سلعًا صينية بقيمة 10 مليارات دولار خلال النصف الأول من العام الجاري وحده، وفق بيانات حكومية مصرية، بزيادة تجاوزت 14% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.


وتدفقت الاستثمارات الصينية إلى مصر بقوة منذ أن وقع الرئيس عبد الفتاح السيسي اتفاقية شراكة استراتيجية في بكين عام 2014. ومنذ ذلك الحين، ضخت الشركات الصينية مليارات الدولارات في مشروعات مصرية متنوعة، شملت موانئ الحاويات والهيدروجين الأخضر ومصانع لإنتاج أنابيب الحديد وإطارات السيارات والأقمار الصناعية.


وبحسب أرقام نقلتها وكالة شينخوا الصينية، استقطبت منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية المصرية في قناة السويس أكثر من 200 شركة، ووفرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل مباشرة بحلول نهاية يونيو.


وتعد المنطقة مركزًا صناعيًا وتصنيعيًا دوليًا رئيسيًا يقع على ساحل البحر الأحمر في مصر، وأُنشئت كمشروع مشترك بين الصين ومصر في إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية.


وتشير هذه المعطيات إلى أن المنافسة على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في مصر تتجاوز الجانب التقني والاقتصادي، لتلامس حسابات أوسع تتعلق بالبيانات والبنية التحتية والنفوذ الجيوسياسي. وبينما تمتلك الصين حضورًا اقتصاديًا وتقنيًا راسخًا في مصر، تحتفظ الولايات المتحدة بعلاقات دفاعية واستراتيجية عميقة مع القاهرة، ما يضع مصر أمام اختبار جديد لسياسة التوازن بين القوتين.


ويبقى السؤال الأساسي متعلقًا بالجهة التي ستفوز بعقد مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وما إذا كان المشروع سيحقق عائدًا اقتصاديًا حقيقيًا لمصر، أم سيصبح بصورة أكبر أداة لتعزيز النفوذ الأمريكي أو الصيني في واحدة من أكثر المناطق استراتيجية في العالم.

 

https://www-aljazeera-com.cdn.ampproject.org/v/s/www.aljazeera.com/amp/news/2026/9/4/as-the-china-us-ai-race-reaches-cairo-egypt-faces-a-strategic-decision?amp_gsa=1&amp_js_v=a9&usqp=mq331AQIUAKwASCAAgM%3D#amp_tf=From%20%251%24s&aoh=17885305627401&csi=1&referrer=https%3A%2F%2Fwww.google.com&ampshare=https%3A%2F%2Fwww.aljazeera.com%2Fnews%2F2026%2F9%2F4%2Fas-the-china-us-ai-race-reaches-cairo-egypt-faces-a-strategic-decision